الشيخ محمد الصادقي
316
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
الحق - المطلق ، المعصوم عن كل زلل وخطل - موافقاً لا هواءهم القاحلة الجاهلة ، لعاد كلٌّ إلى ضلالة وأوقع كلٌّ في باطله وكلاله ، حيث الحق يدعوا إلى المحاسن والمصالح ، والأهواء تدعوا إلى المساويء والمقابح ، فلو اتبع الحق قائد الهوى لشمل الفساد وعم الاختلاط وخفضت اعلام الهدى ، ورفعت اعلام الردى . ولا تعني « أَهْواءَهُمْ » فقط الشريرة منها التائهة ، بل والخيرة ايضاً والعاقلة ، حيث المتَّبع الصالح لإدارة شؤون التكوين ولتشريع هو الحق المطلق ، لا الحق الخاطيء كالعقول غير المعصومة ، فضلًا عن الباطل المطلق ، ف « الْحَقُّ » هنا هو اللَّه ، والأهواء هي من غير اللَّه عقولًا أم أهواء سواها ، ف « ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » . اجل وفي اتباع الحق لسواه - ايّاً كان - اختلال كافة الموازين والمقاييس في السماوات والأرض ومن فيهن ، وكما في تعدد الآلهة المدِّبرة والمشرِّعة . فالحق المطلق واحد ثابت لا يتقلب في تغلُّبه ، والأهواء عاقلةً وسواها كثيرة متقلبة ، وبالحق الواحد يدبَّر الكون كله تكويناً وتشريعاً ، فلا ينحرف ناموسه لهوى تعترض ، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة « بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ » الذي يذكّرهم لما يتوجب عليهم في صالح حياتهم « فَهُمْ » أولاء الحماقي « عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ » ! فالقرآن ذكر جملة وتفصيلًا ، ذكر للفِطَر والعقول والقلوب ، ذكر عما نسيه أصحابها أم تناسوه ، وذكر لما ستر عنهم من فصائل المعارف وفضالها وهم يطلبون ان يتّبع الذكر الحق وحقُّ الذكر أهوائهم الخاملة غير الكاملة ، فحتى لواتفقت أهوائهم العاقلة على شيء لم تكن لتأتي بالحق المطلق ، فضلًا عن أهوائهم الجاهلة ، أم الختلقة في هذه أو تلك لم تكن لتأتي بالحق المطلق ، فضلًا عن أهوائهم ، الجاهلة : أم المختلفة في هذه أو تلك كما هي الواقع فيها على أية حال ، فالفساد - اذاً - آت من بعدين اثنين : قصور الأهواء ، وتضادها ، فليكن اللّه هو الحاكم المطلق لا سواه . « أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » ( 23 : 72 ) . « أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً » رزقاً على أتعاب الدعوة ، وليس يسأل ، وذلك تذكار لهم أنه